فخر الدين الرازي
187
تفسير الرازي
فإن ذلك الكافر ، والعاصي كان يأتي بذلك الكفر والمعصية ، فلما كان الأمر كذلك ، لا جرم أمهله هذه المدة . الطريق الثاني : وهو طريق أبي هاشم أنه لا يبعد أن يقال : إنه تعالى علم أن أقواماً يقعون بسبب وسوسته في الكفر والمعصية ، إلا أن وسوسته ما كانت موجبة لذلك الكفر والمعصية ، بل الكافر والعاصي بسبب اختياره اختار ذلك الكفر وتلك المعصية ، أقصى ما في الباب أن يقال : الاحتراز عن القبائح حال عدم الوسوسة أسهل منه حال وجودها ، إلا أن على هذا التقدير تصير وسوسته سبباً لزيادة المشقة في أداء الطاعات ، وذلك لا يمنع الحكيم من فعله ، كما أن إنزال المشاق وإنزال المتشابهات صار سبباً لمزيد الشبهات ، ومع ذلك فلم يمتنع فعله فكذا ههنا ، وهذان الطريقان هما بعينهما الجواب عن السؤال الثاني . وأما السؤال الثالث : وهو أن إعلامه بأنه يموت على الكفر يحمله على الجرأة على المعاصي والإكثار منها ، فجوابه أن هذا إنما يلزم إذا كان علم إبليس بموته على الكفر يحمله على الزيادة في المعاصي أما إذا علم الله تعالى من حاله أن ذلك لا يوجب التفاوت البتة ، فالسؤال زائل ، وهذا بعينه هو الجواب عن السؤال الرابع . وأما السؤال الخامس : وهو أن إبليس صرح بأن الله تعالى أغواه وأضله عن الدين ، فقد أجابوا عنه بأنه ليس المراد ذلك بل فيه وجوه أخرى : أحدها : المراد بما خيبتني من رحمتك لأخيبنهم بالدعاء إلى معصيتك . وثانيها ؛ المراد كما أضللتني عن طريق الجنة أضلهم أنا أيضاً عنه بالدعاء إلى المعصية . وثالثها : أن يكون المراد بالإغواء الأول الخيبة ، وبالثاني الإضلال . ورابعها : أن المراد بإغواء الله تعالى إياه هو أنه أمره بالسجود لآدم فأفضى ذلك إلى غيه ، يعني أنه حصل ذلك الغي عقيبه باختيار إبليس ، فأما أن يقال : إن ذلك الأمر صار موجباً لذاته لحصول ذلك الغي ، فمعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، هذا جملة كلام القوم في هذا الباب وكله ضعيف ، أما قوله إنه لا يتفاوت الحال بسبب وسوسة إبليس فنقول : هذا باطل ، ويدل عليه القرآن والبرهان ، أما القرآن فقوله تعالى : * ( فأزلهما الشيطان ) * ( البقرة : 36 ) فأضاف تلك الزلة إلى الشيطان ، وقال : * ( فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ) * ( طه : 117 ) فأضاف الإخراج إليه ، وقال موسى عليه السلام : * ( هذا من عمل الشيطان ) * ( القصص : 15 ) وكل ذلك يدل على أن لعمل الشيطان في تلك الأفعال أثراً ، وأما البرهان فلأن بداية العقول شاهدة بأنه ليس حال من ابتلى بمجالسة شخص يرغبه أبداً في القبائح . وينفره عن الخيرات ، مثل شخص كان حاله بالضد منه ، والعلم بهذا التفاوت ضروري . وأما قوله إن وجوده يصير سبباً لزيادة المشقة في الطاعة